محمد بن جرير الطبري
117
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا أبي ، عن طلحة القناد ، عمن سمع الشعبي ، قال : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك ، ولكن تنقص الأنفس والثمرات . وقال آخرون : معناه : أنا نأتي الأرض ننقصها من أهلها ، فنتطرفهم بأخذهم بالموت . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : موت أهلها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : الموت . حدثني المثنى ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا هارون النحوي ، قال : ثنا الزبير بن الحرث عن عكرمة ، في قوله : نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : هو الموت . ثم قال : لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانا نجلس فيه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : كان عكرمة يقول : هو قبض الناس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : سئل عكرمة عن نقص الأرض ، قال : قبض الناس . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جبا يخرأ فيه . حدثنا الفضل بن الصباح ، قال : ثنا إسماعيل بن علية ، عن أبي رجاء ، قال : سئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال : الموت . وقال آخرون : ننقصها من أطرافها بذهاب فقهائها وخيارها . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها . قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا عبد الوهاب ، عن مجاهد ، قال : موت العلماء . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بظهور المسلمين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليها وقهرهم أهلها ، أفلا يعتبرون بذلك فيخافون ظهورهم على أرضهم وقهرهم إياهم ؟ وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله : وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ . ثم وبخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار ، وهم مع ذلك يسألون الآيات ، فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بقهر أهلها ، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها ، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك . وأما قوله : وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يقول : والله هو الذي يحكم فينفذ حكمه ، ويقضي فيمضي قضاؤه ، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حكم الله وقضاؤه لم يستطيعوا رده . ويعني بقوله : لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ : لا راد لحكمه ، والمعقب في كلام العرب : هو الذي يكر على الشيء ، وقوله : وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول : والله سريع الحساب يحصي أعمال هؤلاء المشركين لا يخفى عليه شيء وهو من وراء جزائهم عليها . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ يقول تعالى ذكره : قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورسله فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يقول : فلله أسباب المكر جميعا ، وبيده وإليه ، لا يضر مكر من مكر منهم أحدا